ابن تيمية
105
المسائل الماردينية
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن فأرة وقعت في سمن ؟ ، فقال : " ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم " . فالزهري - الذي مدار الحديث عليه - قد أفتى في الجامد والمائع بأن تلقى الفأرة وما قرب منها ويؤكل ، واستدل بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه ، فتبين أن من ذكر عنه الفرق بين النوعين فقد غلط . وأيضًا : فالجمود والميعان أمرٌ لا ينضبط ، بل يقع الاشتباه في كثير من الأطعمة ، هل تلحق الجامد أو المائع ؟ والشارع لا يفصل بين الحلال والحرام إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه ، كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } [ التوبة : 115 ] ، والمحرمات مما يتقون ، فلا بد أن يبين لهم المحرمات [ تبيانًا ] ( 1 ) فاصلًا بينها وبين الحلال . وقد قال تعالى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } [ الأنعام : 119 ] ، وأيضًا فإذا كانت الخمر - التي هي أم الخبائث - إذا انقلبت بنفسها حَلَّت باتفاق المسلمين ، فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب ، وإذا قدر أن قطرة خمر وقعت في خل مسلم بغير اختياره ، فاستحالت ، كانت أولى بالطهارة . فإن قيل : الخمر لما نجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة ، بخلاف غيرها ، والخمر إذا قُصِد تخليلها لم تطهر .
--> ( 1 ) في ( د ) : [ بيانًا ] .